محمد الطيّار – موسيقي سوري
“عاش الموسيقي السوري، محمد الطيّار 14 عامًا منفيًا بعيدًا عن وطنه؛ سوريا. بعد سقوط نظام الأسد، قرر العودة إلى بلده بعد سنوات من الحياة في مصر. يحكي لنا طيّار عن سوريا التي رآها.”
انتظرت اللحظة الفارقة في حياتي التي تتحرر فيها بلادي ويعود لي حقي في الحياة بعد رحلة غياب وتهجير قسري دامت لـ 14 عامًا. رحلة من المشاعر المختلطة والأمل الذي لا يخبو. عندما أدركت أنني قادر على العودة، كأنها ولادة جديدة. لحظة واحدة كفيلة بتغيير كل مخططاتي، ومنحتني فرصة لأتعرف على نفسي من جديد، بعيدًا عن الخوف والظلم والقسوة التي تعرض لها شعبًا بأكمله. أؤمن أن القضية السورية لم تكن يومًا مجرد حرب مؤقتة، بل محاولة ممنهجة لتغيير الهوية والانتماء، وفي المقابل زرع الكراهية تجاه فكرة العودة. كان الهدف واضحًا بتدمير البنية الديموغرافية والثقافية للبلاد، وجعلها مكانًا غريبًا عن أبنائه.
شعرت بمعنى النصر في اليوم الأول، ولكن قرار العودة كان مليئًا بالتساؤلات والتناقضات، وهل من الصواب أن أعود؟! جاء القرار مفعمًا بإيمان عميق بالحرية، ومن رغبتي في معايشة هذا النصر داخل وطني، بدلًا من أشاهده من الخارج. لم يكن قرار العودة عاطفيًا إنما مصيريًا، تعبيرًا عن انتمائي وعن رغبتي في إحياء ثقافتي ومشاعري التي دفنتها سنوات التهجير. كنت أعلم أن العودة لن تكون سهلة. التعايش، في بلد آخر، كذبة تعلمت كيف أقاومها، لكن الخوف من عدم الانتماء ظل يطاردني.
بين الأمل والخوف كانت الرحلة طويلة إلى سوريا، من مطار إلى مطار، ومن حافلة إلى أخرى. لكنها بالنسبة لي، رحلة مليئة بمشاعر الأمان والشوق والحماس لتفاصيل صغيرة تنتظرني. فكرت في اللحظة التي سأقابل فيها أهلي وأحتضن فيها أرضي وأشاهد وطني دون الظالم، هل ستتغير نظرتي؟ لطالما حاولوا زرع كراهية الوطن في نفوسنا.
عندما وصلت أخيرًا إلى سوريا، وجدت كل شيء مختلفًا، فالشوارع مدمرة، والأماكن التي عرفتها سابقًا لم تعد كما كانت، والطرق خاوية، وعلى جوانبها تصطف آليات عسكرية. واصلت طريقي، رغم تلك المشاهد المحزنة، نحو دمشق، المدينة التي كانت رمزًا للحياة. المشهد مختلف في دمشق، ازدحام البشر الشديد في الشوارع يوحي بأن السوريين يحاولون تنفس الحرية بأي طريقة. في تلك اللحظة، انتابتني موجة مزيجة من السعادة والحزن والقلق.

زرت أماكن شهدت احتجاجاتنا الأولى، أماكن دمرها قصف بشار الأسد، ووجودي بها أعاد لي ذكريات الرعب. بدأ الصراع بين الماضي والحاضر سريعًا. لاحظت أن ثقافتي تغيرت، ونظرتي للحياة صارت أكبر من حدود وطني المدمّر المتهالك. سألت نفسي: هل فقدت انتمائي الكامل؟ حتى لهجتي أصبحت غريبة على الشارع!
خشيت من التغيرات والشوائب التي حملتها معي من المنفى، وكنت أتسائل في عدم تصديق وترقب، هل يمكننا أن نعيش أحرارًا؟ أم أن الفساد والجوع سيستمران في تدمير السوريين؟ خشيت من تكرار أخطاء الماضي، ومن عدم احترام الإنسان الذي ضحينا من أجله، ومن الانقسامات الداخلية في المجتمع، ومن عدم الحفاظ على أهداف الثورة، ومن فورة الشارع ونشوته بالنصر.
لقد عدت لتفاصيلي الصغيرة التي تمنحني السعادة والرضا. فهمت معنى الاحتلال ومعنى النصر، وتعلمت كيف أتصالح مع ذكريات الخوف والترهيب. كان النصر جديرًا بتطبيب جراحنا التي نزفت لسنوات. لم يكن الرجوع إلى سوريا مجرد عودة إلى الوطن، إنما عودة إلى نفسي، وإلى هويتي، وإلى حلم الحرية الذي ناضلنا من أجله. أستطيع اليوم أن أحب بلادي، رغم كل الألم، وأؤمن أن النصر الحقيقي يبدأ من التصالح مع الماضي والسعي نحو فهم ما نريد، وعلينا أن نسأل كيف نبني الوطن، وكيف نحترم أرواح من ضحوا من أجل حريتنا.
