تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ يومين مشروع قرار يؤيد “إعلان نيويورك”، بأغلبية 142 دولة ومعارضة 10 وامتناع 12 عن التصويت، بشأن تسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين.
رغم محاولات مؤتمر نيويورك للسلام حول غزة، استعادة الزخم العالمي لوقف الحرب وإعادة طرح فكرة حل الدولتين، إلا أنه أثار شكوكًا حول إمكانية تنفيذه وتجاوز العقبات التي عطلته على مدار أكثر من ثلاثة عقود منذ توقيع اتفاقية أوسلو ١٩٩٣، رغم أن فرص النجاح حينها، كانت سانحة أكثر من اليوم.
عُقد مؤتمر الأمم المتحدة رفيع المستوى بنيويورك في نهاية يوليو ٢٠٢٥، وهو المؤتمر الذي رفضته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. بينما وقّعت ١٧ دولة من بينها مصر والسعودية وقطر وكندا وفرنسا وبريطانيا على إعلان نيويورك، الذي يدعو إلى إنهاء حكم حماس في غزة، ووقف الحرب وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة.
وعزمت كل من المملكة المتحدة وكندا وفرنسا، الاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/سبتمبر الحالي، ضمن التزامات معينة من بينها، أن تكون دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وألا تترشح حماس في الانتخابات المقبلة.
وبينما اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاعتراف بدولة فلسطين بمثابة مكافأة لحماس، فإن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش صرّح بإن قيام دولة فلسطينية، “حق، وليس مكافأة”، وأن حل الدولتين هو المسار الوحيد الموثوق به لتحقيق سلام عادل ودائم.
ظهر مصطلح حل الدولتين منذ تاريخ بعيد يسبق قيام دولة إسرائيل نفسها في ١٩٤٨، لكنه لم يدخل حيز الاعتبار والمفاوضات الجدية إلا مع محادثات أوسلو السرية التي انتهت بتوقيع اتفاقية إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، برعاية أمريكية، ودعت أيضًا إلى سلام دائم عبر حل الدولتين.
وفي ظل حرب الإبادة المستمرة منذ قرابة عامين، ومحاولات دولية لإحياء ذاكرة حل الدولتين، يوافق اليوم الثالث عشر من سبتمبر الذكرى ٣٢ لتوقيع اتفاقية أوسلو، التي نصت في أبرز بنودها على إقامة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، دون أن يرد نص واضح حول إقامة دولة فلسطينية، كما نصت الاتفاقية على انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة وأريحا. فما الذي تغيّر بعد ٣٢ عامًا من محاولات حل الدولتين؟ وما المستجدات الإقليمية التي قد تدفع نحو طرح ذات الفكرة مجددًا.
بعد توقيع اتفاقية أوسلو اعتبر بنيامين نتانياهو، رئيس حزب الليكود حينها، أن الاتفاقية خطأ قاتلًا. وهو التصريح الذي كرره مجددًا بعد السابع من أكتوبر، معتبرًا الاتفاقية خطأ لن يسمح بتكراره، ولن يوقف الحرب إلا بعد تحقيق الأهداف بالقضاء على حماس والإفراج عن الرهائن، بل رأى في أوسلو عامل مهّد لبيئة سياسية وأمنية أدت لهجوم السابع من أكتوبر.
وفي ظل تصاعد النبرات اليمينية داخل إسرائيل، تقدم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المستقيل إيتمار بن غفير، مارس الماضي، بمشروع قانون للكنيست لإلغاء اتفاقية أوسلو، وكتب على منصة “إكس: “نصلح ظلمًا دام سنوات عديدة، إذ قدّمتُ، مع زملائي في حزب عوتسما يهوديت، مشروع قانون يهدف إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو، واتفاق الخليل، واتفاق واي ريفر”.
فإذا كان اليمين الإسرائيلي يرفض أوسلو مؤيدًا لرأي نتانياهو الذي رفضها منذ أكثر من ثلاثين عامًا، فكيف نتوقع أن توافق إسرائيل على مبادرة مشابهة في الوقت الحالي؟ والأمر ذاته بالنسبة لحماس التي رفضت أوسلو، في حينها، ولم تكن طرفًا في المفاوضات، والتي بالتأكيد لن توافق اليوم على نزع سلاحها وتفكيك الحركة، وستعتبره انتصارًا لإسرائيل وانصياع غير مقبول.
لا يلوح في الأفق أي متغير واقعي يمكن أن نضعه في الاعتبار لكي تكون المحادثات حول سلام دائم وتطبيق حل الدولتين ذات شأن. الأطراف الفاعلة من الطرفين، في الوقت الحالي، رافضة للجلوس على طاولة المفاوضات، سواء حركة حماس من جهة أو إسرائيل والولايات المتحدة من جهة.
فإذا فشلت أوسلو وانهارت رغم توافق الطرفين عليها في ذلك الوقت، الحكومة الإسرائيلية، ومنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي معترف به عن الفلسطينيين. فإن إعادة تسويق الفكرة ذاتها، دون موافقة الأطراف ودون أي ضمانات تُلزم إسرائيل بالالتزام بالقرارات الدولية، بمثابة مصارعة لطواحين الهواء.
كما إن إعلان نيويورك لا يوفر أي آليات جادة ولا أي ضمانات لفرض إرادة المجتمع الدولي وقراراته على إسرائيل، فضلًا عن كونه إعلان سياسي لا يحمل أي قوة إلزام قانونية، وقاطعته الأطراف المركزية، كما اشترط تفكيك حماس سياسيًا وعسكريًا كشرط لأي حل، وهو شرط تعجيزي.
وبالعودة إلى اتفاق أوسلو، نجد أن إسرائيل خلال ثلاثة عقود، انتهكت العديد من بنود الاتفاق الذي يعتبر مفككًا دون إعلان رسمي، رغم تلويح الرئيس الفلسطيني محمود عباس أكثر من مرة بنيته في إلغاء الاتفاق.
أبرز تلك الانتهاكات استمرار عمليات الاستيطان التي كان من المفترض أن تتوقف، رغم ذلك، تضاعف عدد المستوطنين في القدس والضفة الغربية، وفي بعض المناطق الأخرى مثل الخليل ورام الله، وبالتالي تصاعدت موجات الاستيطان بدلاً من تجميدها. كما استمرت إسرائيل في مداهمة مناطق تابعة بالكامل للسلطة الفلسطينية، حسب الاتفاق، واستمرت في استهداف الفلسطينيين عبر الاعتقال الإداري، كما فرضت قيودًا شديدة على التنقل، وصولًا إلى بناء الجدار العازل بعد عام ٢٠٠٢.
بالنظر إلى التاريخ، ومع الأخذ في الاعتبار الظروف الإقليمية الحالية، يبدو أن طرح حل الدولتين في إعلان نيويورك كحجر أساس لسلام دائم، بمثابة أوسلو جديدة سوف تتحطم على أرض الواقع بحكم التفوق العسكري واختلال موازين القوى وغياب الأطراف المركزية من المفاوضات، وعدم وجود آلية للتنفيذ، أو ضمانات قانونية وإلزامية وجدول زمني واضح، وحلول واقعية، بينما تستمر إسرائيل في الحرب لتحقيق الأهداف التي أعلن عنها ناتنياهو والتي يبدو أنها تتوسع يوم بعد يوم، ومن ناحية أخرى تستمر إسرائيل ضم الأراضي الفلسطينية والتوسع في المستوطنات دون أي حل واقعي لإنهاء الصراع في الوقت الحالي.