تونس: مهاجرون عالقون بين استغلال المهربين وضغط الاتحاد الأوروبي

رجال من غينيا ومالي والسودان، يقفون في شوارع العاصمة تونس، ينتظرون على الأرصفة، بأيادٍ متشققة من العمل الذي لم يعد كثير من التونسيين يرغبون في القيام به. يختارهم أصحاب العمل واحدًا أو اثنين في اليوم، لحمل الإسمنت أو نقل الطوب ومعدات البناء، لقاء أجر يكفي بالكاد لوجبة متواضعة.

تتنقّل شابات من دار إلى دار، يرافقهن “سماسرة” من مجتمعاتهن، يرتبون لهن أعمالًا بسيطة كخادمات منازل أو جليسات أطفال، ويقتطعون نصف أجورهن مقابل وعد بـ “الحماية”. يتحول العمل إلى سلعة تُباع وتُشترى وتُرمى بسهولة.

في الوقت نفسه، وقّع الاتحاد الأوروبي سنة 2023 على مذكرة تفاهم بقيمة 105 ملايين يورو مع تونس بدعوى “تعزيز أمن الحدود وإدارة الهجرة”، لكن لم يُخصَّص أي مبلغ لحماية العمال. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، معيار النجاح هو انخفاض أعداد الوافدين إلى شواطئه، غاضًّا الطرف عن حقيقة أن سياساته حوّلت تونس إلى فخ.

وبحلول مطلع 2025، كان هذا الفخ ظاهرًا في أنحاء البلاد. ففي منطقة عمرة قرب صفاقس، فكّكت السلطات مخيمًا كان يأوي نحو 20 ألف مهاجر، وأحرقت الخيام، ودمّرت مستشفى ميدانيًّا، ودَفعت العائلات نحو العراء. بعد أسابيع، تمت إعادة أكثر من 3,400 مهاجر إلى بلدانهم عبر برامج “العودة الطوعية”، المعلنة كخيارات حرة، لكنها نُفّذت بعد مداهمات وطردٍ لم يترك للناس أي بديل.

دور الدولة التونسية كحراس لبوابة أوروبا

طرق تهريب البشر عبر تونس، يناير 2023

بين عامي 2023 و2024، تجاوزت أعداد الهجرة من تونس نظيرتها من ليبيا، لتصبح منطقة العبور الأولى من المتوسط إلى أوروبا. وفق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وصل 66,617 شخصًا إلى شواطئ أوروبا في 2024، فيما سُجِّل 1,172 مفقودًا أو قتيلًا.

اتفاق يوليو 2023 بين بروكسل وتونس خصّص أموالاً لخفر السواحل، وموارد لملاحقة المهرّبين، وضبط “تدفقات” المهاجرين. لوقت محدود، تفاخر الاتحاد الأوروبي بانخفاض رحلات العبور، لكن المهرّبين بدّلوا مساراتهم. أدت الحملات الأمنية في صفاقس إلى دفعهم نحو الداخل وإلى سواحل أكثر خطورة، مقابل أسعار باهظة. كشف تحقيقًا لرويترز أن التهريب إلى صقلية قد تصل كلفته إلى 6,000 يورو للشخص، بينما سرّب موقع “انكفادا” عام 2025 وثائق تفيد بارتفاع التكلفة إلى 10,900 يورو، تُنظم عبر مجموعات واتساب.

فرت امرأة من بوركينا فاسو مع أختها بعد أن اجتاح الجهاديون قريتهما. سافرتا معًا عبر طريق غير رسمي يديره مهربون، ووعُدوا برحلة آمنة إلى تونس. لكن سرعان ما تحولت إلى رحلة محفوفة بالمخاطر. في منتصف الطريق، رفع المهربون سعر الرحلة من النيجر إلى تونس. وعجزتا عن الدفع، فغرقتا في الديون، مثل كثيرين غيرهما ممن سلكوا الطريق، وانفصلتا عن بعضهما. تُركت أختها في النيجر، رهينة فعليًا حتى يتم تسوية الرسوم. قالت: “أنا عالقة هنا في تونس، وما زلتُ مَدينةً للمهرّبين الذين يحتجزون شقيقتي في النيجر. خطتنا كانت أن أعمل هنا وأدفع لهم، ثم تلحق بي أختي. لكن الأسعار أصبحت جنونية، والقيود المدعومة من الاتحاد الأوروبي زادت الأمر سوءاً. أنا خائفة علينا”.

ومع تضييق الخناق، انخفضت أعداد القوارب كليًا، فقد أعلنت السلطات التونسية تراجعًا حادًا في العبور نحو أوروبا، من نحو 98 ألف شخص في 2023 إلى 19 ألفًا فقط في 2024. لكن هذا “النجاح” جاء على حساب آلاف المهاجرين المحاصرين في مخيمات عشوائية حول صفاقس. ففي ديسمبر 2025، توفي مهاجران اختناقًا بأول أكسيد الكربون بعد إشعال نار للتدفئة داخل مأوى بدائي.

كلما شددت أوروبا القيود، ارتفعت كلفة العبور، وازداد عدد العالقين في تونس، محكومين باقتصاد خفي.

المهاجرون: كبش فداء لفشل الحكومة التونسية

صرّح الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في فبراير 2023، بأن الهجرة من إفريقيا جنوب الصحراء “مؤامرة” تهدف إلى تغيير هوية تونس العربية. خطاب مستعار من اليمين المتطرف الأوروبي، مغلف بنزعة وطنيّة، وكانت له نتائجه الفورية؛ مستأجرون طُردوا، ومهاجرون سود تعرّضوا للضرب في الشوارع. تحوّل خطاب الكراهية إلى سياسة غير معلنة.

لكن الخطاب كان سياسيًا أيضًا، أداة لتحويل غضب المواطنين بعيدًا عن إخفاقات الحكومة الاقتصادية وتراجع الخدمات، عبر تصوير الهجرة كمسبب للأزمة. حوّل سعيّد الغضب الشعبي من البطالة والتضخم والديون إلى أجساد المهاجرين السود.

قالت امرأة: “كنتُ أنتظر الحافلة، فأوقفني شرطي وطلب أوراقي. لم تكن لدي أوراق رسمية، فأخذ حقيبتي وفتشها وصادر كل أموالي. لم أستطع دفع إيجار الشقة التي أشاركها مع ست نساء أُخريات”.

قصتها ليست استثناءً، فمنذ 2023، رحّلت السلطات التونسية مهاجرين إلى صحاري الحدود مع ليبيا والجزائر، بلا ماء ولا مأوى. وتشير تقارير العفو الدولية إلى أنه بين يونيو ويوليو 2023 وحدهما، عُثر على 28 مهاجرًا متوفيًا على الحدود الليبية–التونسية، فيما فُقد 80 آخرون.

امتدت التداعيات خارج تونس: سحبت كل من كوت ديفوار وبوركينا فاسو سفيريهما مؤقتًا، متهمتين تونس بالعنصرية الممنهجة و”ترحيلات غير قانونية” تهدد الأرواح. وفي اجتماع للاتحاد الإفريقي عام 2024، دان دبلوماسيون من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي علنًا سياسات تونس، ما أثار مشادات مع المسؤولين التونسيين.

تجاهلت أوروبا الانتهاكات واستمرت في الدعم، وفي تدريب خفر السواحل بالتعاون مع الشرطة الفيدرالية الألمانية. لكن لم تصمت كل الأصوات. فقد قال مفوّض الاتحاد الأوروبي نيكولا شميت إن الاتفاق مع تونس “صفقة مع ديكتاتورية شريرة للغاية”، مؤكدًا أن المهاجرين “يُحاربون بدل حمايتهم”، وداعيًا إلى مراجعة الاتفاق، لأن “لا أحد يعرف كيف تُصرف هذه الأموال”.

فراغ قانوني: عالقون بين القانون والاستغلال

لا يوفر القانون التونسي حماية تُذكر لمن لا يملكون أوراق إقامة. العامل غير النظامي لا يمكنه اللجوء لقوانين العمل ما لم يحصل على إقامة أو تصريح عمل، ولا سبيل لذلك إلا عبر كفيل، بعقد لمدة سنة قابلة للتجديد مرة واحدة، حسب قوانين العمل.

بالنسبة لمعظم المهاجرين، هذا حلم بعيد. يعملون لساعات طويلة، إلى جانب العمال التونسيين، لكن بأجور أقل بكثير، تُدفع متأخرة، أو تُحجب تمامًا. يحملون الإسمنت تحت الشمس الحارقة، أو ينظفون البيوت والمطابخ، ثم يحصلون على جزء ضئيل مما وُعدوا به، أو لا يحصلون على شيء.

العنصرية تزيد هشاشتهم. يقول عامل من الكاميرون:

“أعمل ساعات أطول من الرجال التونسيين، لكنهم يتقاضون ضعف أجري. أحيانًا أنتظر أسبوعين لأتقاضى أجر يوم واحد. وإذا اشتكيت، يطردونني”.

بحلول 2025، تراجعت قدرات منظمات المجتمع المدني، ضيّقت السلطات التونسية على الجمعيات المساندة للمهاجرين، داهمت مكاتبها، واعتقلت بعض العاملين فيها. كانت النتيجة مهاجرين أكثر ضعفًا، من دون رقابة أو دعم قانوني، معرضين لسرقة الأجور والعنف دون أي جهة يلجؤون إليها.

كان بإمكان الاتحاد الأوروبي استخدام نفوذه للدفاع عن حقوق المهاجرين، بدل الاكتفاء بخفض أعداد الوافدين. لو ربط تمويله بإصلاحات قانونية، لكان بإمكانه دفع تونس لتسهيل تصاريح العمل وتطبيق قوانين الحماية.

بعض دول أوروبا مثل إيطاليا والبرتغال تُقدّم نماذج يمكن تطبيقها في تونس. في إيطاليا، يمكن لضحايا الاستغلال الشديد الحصول على تصريح إقامة لأسباب الحماية الاجتماعية. وفي البرتغال، يمكن للمهاجرين بلا أوراق تقديم شكاوى والحصول على أجورهم من خلال مفتشية العمل. يمكن للدول حماية كرامة العمال المهاجرين عبر تأمين الحد الأدنى للأجور والسلامة المهنية والمساعدة القانونية التي يحتاجونها.

استغلال النساء على الملأ

في تونس، استغلال النساء ليس خفيًّا. شابات من إفريقيا جنوب الصحراء يرافقهن “سماسرة”، يحددون لهن أين يعملن ومتى وبأي أجر. يقدم السماسرة أنفسهم كحماة، لكن سلطتهم مبنية على الخوف. يقتطعون نصف الأجر، وأحيانًا أكثر، ويهددون بمنع العمل عن أي امرأة تعترض.

تقول إحدى النساء: “يأخذنا إلى البيوت. هو من يقرر من ستعمل ولدى من، أحصل على نصف أجري فقط، ولا أستطيع الاعتراض، وإن تركته فلن أجد مكانًا أذهب إليه”.

تتحدث النساء عن العبء النفسي الرهيب، وعن الأرق والقلق الدائم، والخوف من المداهمات والإخلاء المفاجئ، إلى جانب الإذلال اليومي المتمثّل في معاملتهن كسلع.

رغم أن تونس صادقت على معاهدات دولية تُلزمها بمنع الاستغلال وحماية حقوق العمال، منها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة، واتفاقيات العمل القسري، إلا أن هذه الالتزامات تبقى حبراً على ورق، تُناقضها الوقائع اليومية.

ويتطابق كثير من هذه الشهادات مع أنماط موثقة لدى عاملات المنازل الإيفواريات في تونس. يتم استقدامهن من ساحل العاج بوعود لأعمال مدفوعة، ثم تُصادر جوازاتهن، وتُفرض عليهن ديون، ويُجبرن على العمل شهورًا دون أجر. وقد تحتاج بعض العاملات إلى قضاء بين أربعة إلى ستة أشهر في عمل بلا مقابل، فقط لتسديد رسوم السفر.

يشكل الإيفواريون نسبة كبيرة من ضحايا الاتجار بالبشر في تونس، ففي 2023، كان العديد من ضحايا العمل القسري من ساحل العاج، وتمثل العاملات الإيفواريات نسبة كبيرة في الإحصائيات عن الاستعباد المنزلي في تونس وصفاقس وسوسة وقابس.

الوضع في تونس ليس مجرد أزمة محلية، بل يعكس أولويات أوروبا المتباينة. فمن خلال إسناد مراقبة الحدود إلى جهات خارجية دون مساءلة، خلق الاتحاد الأوروبي منطقة يزدهر فيها استغلال المهاجرين. يتكيف المهربون، وتتراكم الديون، وتغيب المعاناة الإنسانية عن أعين صانعي السياسات الذين يركزون على الإحصاءات.

بدلاً من تمويل المزيد من قوارب خفر السواحل أو نقاط التفتيش في تونس، ينبغي إعادة توجيه الموارد الأوروبية إلى قوات وبرامج مكافحة الاتجار بالبشر، وإلى تعزيز أمن واستقرار دول جنوب الصحراء الكبرى حيث تبدأ الهجرة. إن بناء الحوكمة، والفرص الاقتصادية، وسيادة القانون من المصدر يعالج الأسباب الجذرية، بدلاً من ترك الناس محاصرين في خطر في منتصف الطريق عبر القارة.

 

**الآراء الواردة بالمقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن توجهات ريدوورد

Facebook
Twitter
LinkedIn