هل يمكن لكندا أن تعتبر مصر حليفًا بينما تتجاهل سجلها القمعي؟

في 23 نوفمبر 2025، التقت أنيتا أناند، وزيرة الخارجية الكندية، بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري في جنوب أفريقيا خلال قمة العشرين.

قالت أنيتا عبر منصة إكس إن مصر وكندا يتشاركان اهتمامات قوية من أجل تعزيز السلام والأمن في الشرق الأوسط.  وأكدت على التزام كندا في العمل مع الحلفاء بما فيهم مصر. بينما أشار بيان الخارجية المصرية إلى تطلع مصر لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، وتشجيع الشركات الكندية على الاستثمار في مصر، خاصة في قطاعات الطاقة والزراعة والموارد المائية. أشاد باعتراف كندا بالدولة الفلسطينية في سبتمبر الماضي، واستعرض الوزير تطورات الأوضاع في غزة.

ففي الوقت الذي ركزت فيه أنيتا على تعزيز السلام والأمن في الشرق الأوسط، ركز وزير الخارجية المصري على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. فكل مسؤول يطرح أولويات حكومته في السياسة الخارجية، ولكن هل من المجدي عمل كندا مع مصر كدولة حليفة من أجل تحقيق الأمن والسلام في الشرق الأوسط؟ وهل تحقيق الأمن والسلام يأتي على حساب تجاهل الملف السيء لمصر في مجال حقوق الإنسان، ودعم الحكم العسكري المصري؟

تعاني مصر من أزمة اقتصادية حادة منذ سنوات، أثرت على قدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي، وأثرت كذلك على انخفاض قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار بشكل كبير. ولذلك فمن المنطقي أن تسعى الحكومة المصرية في الوقت الحالي لتعزيز الاستثمارات الأجنبية، خاصة بعد أن ارتفع الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٤٤.٥٪ بنهاية مارس ٢٠٢٥، وبقيمة إجمالية ١٦١.٢ مليار دولار أمريكي.

وبدلًا من اتخاذ إجراءات حقيقية لتعزيز الأمن والاستقرار الداخلي وتشجيع المستثمرين للدخول إلى السوق المصري، اختارت الحكومة المصرية الحل الأمني منذ الانقلاب العسكري يوليو ٢٠١٣، عبر إجراءات استثنائية للتحفظ على أموال وممتلكات رجال الأعمال وإساءة استخدام قوانين الإرهاب. كذلك إجبار رجال الأعمال على الدخول في شراكات مع الشركات المملوكة للدولة أو شراء المتعسر منها بمبالغ كبيرة، إلى جانب إجبارهم بشكل دوري ومستمر على التبرع بمبالغ كبرى للصناديق السيادية، مثلما رصدت المنظمات الحقوقية تلك الممارسات في الفترة من ٢٠١٧ حتى ٢٠٢٤.

وعلى صعيد الأمن والسلام الإقليمي في المنطقة، فهل يمكن مناقشته مع وزير خارجية يحرّض ضده مواطنيه بالخارج، وتمارس حكومته قمع عابر للحدود لاستهداف النشطاء والصحفيين والحقوقيين بالمنفى؟

في سبتمبر الماضي، أدانت ٢٠ منظمة حقوقية ما أسمته بالتوظيف غير المسبوق للبعثات الدبلوماسية المصرية كأدوات للقمع العابر للحدود ضد متظاهرين سلميين في الخارج. ظهر تسريب صوتي لوزير الخارجية بدر عبد العاطي يوجه موظفي السفارات المصرية بالخارج إلى الاعتداء على المتظاهرين السلميين الداعمين لفلسطين الذين طالبوا بفتح معبر رفح لإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

ذلك التوجيه انعكس على أرض الواقع عبر اعتداءات من موظفي السفارات في عدد من الدول، من بينها نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث سحب أفراد الأمن مواطنين أمريكيين، أحدهما قاصر، إلى داخل مبنى البعثة، وانهالوا عليها بالضرب. وفي لاهاي ولندن، وظفت البعثات الدبلوماسية موالين للحكومة من أجل التجمهر أمام السفارات لترهيب وتهديد المحتجين.

تزامنت تلك الانتهاكات مع استهداف أجهزة الأمن المصرية لأهالي النشطاء واعتقال أفراد من عائلاتهم، بمن فيهم صحفيين، ووثقت المنظمات اعتقال فرد واحد على الأقل من عائلة صحفي مقيم بالخارج، وتعرض للإخفاء القسري انتقامًا من العمل الصحفي لذويه.

تلك الانتهاكات الحقوقية غير حصرية ضد المصريين فقط، بل أيضًا طالت عدد من المواطنين الكنديين منذ تولى الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي قيادة البلاد، ففي يونيو الماضي، احتُجز أكثر من 40 كنديًا شاركوا في المسيرة العالمية إلى غزة في مصر.

وفي عام ٢٠٢٠، أُفرج عنه المواطن الكندي ياسر الباز، الذي اُعتقل في مصر لقرابة ٥٠٠ يومًا، بعد تدخل مباشر من رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو.

وفي عام ٢٠١٤، كُتب في جريدة ذا جلوب آند ميل عن اعتقال الصحفي الكندي محمد فهمي في مصر، والذي امتد لمئة يوم. إنه يمكن لإجراءات مقابلات مع نشطاء المعارضة أو مجرد حيازة كاميرا أن تقودك للسجن في مصر. هذه هي الأدلة المركزية التي استخدمتها النيابة في القاهرة لقذف فهمي وشركائه بتهمة الإرهاب، وإمكانية الحكم عليهم بالسجن لمدة تصل إلى 15 عامًا.

حالة أخرى، لاعتقال صانع الأفلام الكندي جون جريسون، والطبيب الكندي طارق لوباني، في أغسطس ٢٠١٣، وقضيا قرابة ٥٠ يومًا في السجن، وخضعا للتحقيق في جرائم مزعومة من بينها القتل والتحريض على القتل وإرهاب المواطنين ومهاجمة مركز شرطة واستخدام المتفجرات ضده.

تولي كندا أهمية كبيرة لقيم حقوق الإنسان في تشكيل علاقاتها الدبلوماسية مع الدول، وتعتبر تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها جزءًا لا يتجزأ من الجهود الكندية في الخارج، ولديها التزام للدفاع عن قيم حقوق الإنسان والحوكمة الشاملة والمسؤولة، ولديها برنامج خاص لإعادة توطين المدافعين عن حقوق الإنسان المعرضين للخطر في المنفى.

بالتالي من غير المقبول، بأي شكل من الأشكال، تجاهل تلك الانتهاكات عند التعامل مع الحكومة المصرية، ويجب أن يُطرح الملف الحقوقي في كل لقاء أو مناقشة تشير إلى مصر كدولة حليفة، أو تناقش اهتمامات مشتركة لتعزيز “الأمن والسلام” بالشرق الأوسط، أو تطلعات لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

بالأحرى، يجب أن يُشار صراحة إلى ملف حقوق الإنسان السيء لمصر، وأن يكون هناك ربط بين تعزيز العلاقات التجارية وبين العمل على تحسين حالة حقوق الإنسان في مصر ضمن التزامات محددة.

Facebook
Twitter
LinkedIn