في ٢٩ يوليو ٢٠٢٦، نشب حريق في ميناء دمياط، المطل على البحر المتوسط شمال مصر، نتاج استهداف طائرة مسيرة لسفينة غاز مملوكة لشركة أمريكية. لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، بينما تجاهلت المصادر الرسمية المصرية الإعلان عن أي تفاصيل أو مصارحة للرأي العام عمّا توصلت إليه الجهات المعنية بالتحقيق في الواقعة، تاركة المساحة خالية أمام الافتراضات والتأويلات عن جهة التنفيذ، وتاركة علامات استفهام حول الدور المصري في الصراع القائم في المنطقة واحتمالية توسعه أو انجرار مصر إلى مواجهة مباشرة ضد أحد أطراف الصراع.
تقابل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس الإمارات محمد بن زايد في مايو الماضي، لمناقشة تطورات الأوضاع الإقليمية في المنطقة، حسبما أشارت وكالة وام. وشهدت زيارة السيسي إلى أبو ظبي الإعلان عن وجود مقاتلات مصرية على الأراضي الإماراتية.
أدان السيسي الاعتداءات الإيرانية على الإمارات، وقال إن “كل ما يمس الإمارات يمس مصر”، دون التطرق إلى أي تفاصيل تخص المقاتلات المصرية أو عددها أو دورها في الحرب الحالية أو طبيعة المهام الموكلة إليها أو عدد الأطقم العسكرية الموجودة في الإمارات حاليًا.
وجود مقاتلات مصرية في الإمارات للمرة الأولى، يفرض تساؤلات عديدة عن الموقف المصري من الحرب الحالية، في حال تصاعدت الأمور مجددًا وقامت إيران بقصف الإمارات، هل يمكن أن تُجر مصر للحرب في هذه الحالة، وهل يمكن أن نرى الجيش المصري يقاتل بجانب إسرائيل ضد إيران؟ هل يوافق الجيش المصري من الأساس على خوض مثل هذه الحرب؟
وهل يمكننا الاستنتاج أن قصف ميناء دمياط، ربما يكون تحذيرًا استباقيًا لمصر من أحد الأطراف، ألا تنجر لذلك الصراع؟
إن إرسال مقاتلات مصرية إلى الإمارات بجانب كونها خطوة غير قانونية، حيث يضع الدستور المصري قيودًا صارمة لإرسال القوات المسلحة خارج حدود الدولة، مع وجوب أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، إلا أنها أيضًا خطوة خطرة وغير محسوبة وقد تسبب في تصاعد العنف في المنطقة بدلًا من احتوائه، وقد تجر مصر والمنطقة بأسرها إلى تبعات خطيرة أمنية واقتصادية.
تاريخيًا، تظل العلاقات بين مصر وإسرائيل متوترة، فعلى الرغم من وجود اتفاقية سلام بين البلدين منذ أكثر من ٤٠ عامًا، إلا أنها تظل اتفاقًا عسكريًا نظريًا لتجنب التصعيد، بينما تُقابل بالرفض الشعبي من عموم الشعب المصري.
يذكر أنه خلال حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء)، اشترطت مصر للمشاركة في التحالف الدولي مع الولايات المتحدة في تحرير الكويت من الغزو العراقي ألا تشارك أي قوات إسرائيلية.
كما شهدت العلاقات المصرية-الإسرائيلية تراجعًا على المستوى الرسمي منذ حرب الإبادة على غزة، خاصة بعدما ألقت إسرائيل بالمسؤولية على مصر لمنع دخول المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح أمام محكمة العدل الدولة، في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، الأمر الذي دفع مصر بالتهديد بالانضمام إلى دعوى جنوب إفريقيا قبل أن تتراجع لاحقًا.
إلى جانب الاتهامات المتبادلة من الجانبين حول خرق معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، خاصة بعدما احتلت إسرائيل محور فيلادلفيا على الحدود بين سيناء المصرية وقطاع غزة، وهو الأمر الذي اعتبره محللون خرقًا لبنود الاتفاقية.
كما توترت العلاقات كذلك بين مصر والولايات المتحدة، خاصة بعد رفض مصر لمخطط ترامب لتهجير وتوطين الفلسطينيين بسيناء. إلا أن التصعيد الأخير لإسرائيل والولايات المتحدة في الحرب مع إيران، وضع مصر في موقف حرج مع دول الخليج.
استخدمت الولايات المتحدة قواعدها العسكرية في دول الخليج لضرب إيران، وردت إيران بقصف ٧ دول عربية، من بينها السعودية والإمارات والبحرين.
وبسبب الموقف الرسمي المصري بعدم الانخراط في الحرب، توترت العلاقات بين مصر ودول الخليج التي تطالب بالحماية والدعم العسكري المصري، مقابل الدعم الاقتصادي، وهما ما راقبناه في تعليقات بعض الصحفيين والمؤثرين الخليجيين التي هاجمت مصر وطالبت بوضوح بالدعم العسكري المصري.
لكن الخريطة الإقليمية أعقد من ذلك، فمن جهة، العلاقات بين السعودية والإمارات ليست في أفضل أحوالها، لدرجة انسحاب الإمارات مؤخرًا من منظمة أوبك، وقبلها الخلاف العسكري بينهما في اليمن، بسبب دعم الإمارات للانفصاليين، ما اعتبرته السعودية تهديدًا لأمنها القومي.
ومن جهة أخرى، شهدت العلاقات بين مصر والإمارات توترات عديدة بسبب الخلاف في بعض القضايا التي تمثل أمنًا قوميًا لمصر، من بينها مشاركة الإمارات في استثمارات بإثيوبيا، اعتبرها البعض تمويلًا غير مباشر لسد النهضة في إثيوبيا والذي يضر بحصة مصر من المياه في نهر النيل. كذلك تورط الإمارات بتمويل ودعم ميلشيات الدعم السريع بقيادة حميدتي في السودان، المتهمة بالتطهير العرقي في دارفور، بينما تدعم مصر الجيش السوداني حرصًا على أمنها القومي من الحدود الجنوبية.
يري كثير من المعارضين المصريين أن السعودية والإمارات أصبحت تمثل خطرًا على السيادة المصرية من خلال تدخلاتهم في كثير من الملفات الإقليمية الشائكة بما لا يتوافق مع الرؤية المصرية، إلا جانب إثقال مصر بالديون، والتأثير في الشأن الداخلي من خلال الاستثمارات الخليجية الكبيرة وشراء الأراضي المصرية بما يشمل بيع جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر للسعودية عام ٢٠١٦، والتي حكم القضاء الإداري بمصريتهما واندلعت احتجاجات شعبية ضد البيع قمعها الأمن وقبض على عشرات المشاركين.
والمشاريع الاستثمارية الإماراتية لشراء الأراضي بثمن بخس والتوغل في الداخل المصري، كما الحال في مشروع رأس الحكمة، على الساحل الشمالي الغربي للبحر الأبيض المتوسط.
شهدت العلاقات المصرية-الخليجية تصاعدًا ملحوظًا منذ الانقلاب العسكري في ٢٠١٣، فقامت السعودية والإمارات بدعم وتمويل النظام الجديد ومساعدته للنهوض اقتصاديًا، لكن مع الوقت انهار الاقتصاد المصري وأُثقل بالديون والقروض، وارتفع نصيب الدول العربية من الدين الخارجي المصري إلى ما يقرب من ٣٥٪، حسب التقرير الأخير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، منظمة حقوقية مصرية.
ففي ظل هذه الخريطة الإقليمية المتشابكة، هل يمكن أن يقاتل الجيش المصري بجانب إسرائيل؟ أو يحارب بالوكالة عن دول الخليج في حال تصاعدت الأمور في المنطقة مجددًا؟ لا أعتقد أن هذا الأمر وارد، رغم خطورة وجود قوات جوية مصرية في الإمارات دون الإعلان بشفافية عن دورها.
أعتقد أن الدور المصري في هذه الحالة قد يتوقف على الدفاع والحماية فقط، في حال تعرضت الإمارات للقصف الإيراني. لا أعتقد أن يجازف النظام المصري الحالي بالانجراف إلى الحرب الحالية بغرض شراء رضا الخليج، خاصة إذا كان الموقف يفرض عليه الوقوف بجانب الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
جل ما يمكن القيام به في هذه الحالة، هو الدفاع، إن اَُضطر لذلك.