يعود تاريخ الحرب في إقليم دارفور جنوب غرب السودان إلى عام ٢٠٠٣، عندما بدأت حركتان متمردتان؛ حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، بإعلان تمردهما على الحكومة المركزية بالخرطوم واتهامها بتهميش الإقليم والتفرقة على أساس العرق للسكان ذوي الجذور الإفريقية. ردت الحكومة بحملة تطهير عرقي للأفارقة باقليم دارفور، و أدت إلى مقتل مئات الآلاف من السودانيين، و بسببها صُنف عمر البشير، رئيس جمهورية السودان السابق منذ عام ١٩٨٩ حتى أطاحت به الثورة في ٢٠١٩، كمجرم حرب، وصدرت بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية التي أدانته بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية بإقليم دارفور.
تشكلت ميلشيات الدعم السريع، المعروفة أيضًا باسم “الجنجويد”، بدعم من البشير لمواجهة المتمردين بإقليم دارفور. رغم نفي الدولة السودانية لذلك إلا انها كانت مدعومة من الدولة بالمال والذخيرة، وعملت بجانب الشرطة والجيش السوداني في إقليم دارفور الذي يضم مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال الإقليم، والتي تعاني اليوم من وجود ميلشيات الدعم السريع المتورطة في تنفيذ إبادة جماعية وتطهير عرقي.
بسبب ذلك التاريخ الطويل للإقليم مع المليشيات، نجدهم اليوم على علم كامل بالولاية وكيفية السيطرة عليها وإخضاعها، خاصة في ظل تراجع الجيش السوداني الذي يبدو أنه ما تزال لديه نفس النزعة العنصرية ضد سكان الولاية مما يؤدي إلى إهمالها بشدة.
بدأ حصار مدينة الفاشر بإقليم دارفور في 10 مايو 2024، حين طوقت قوات الدعم السريع المدينة متهمة الحركات المسلحة بمساندة الجيش وخرق تعهدها بعدم المشاركة في الحرب. فرضت قوات الدعم السريع حصارًا خانقًا على الفاشر، أغلقت من خلاله الطرق ومنعت وصول البضائع والمساعدات مما خلق أزمة إنسانية ونقصًا حادًا في الغذاء والدواء والوقود.
بينما صرح رئيس حركة تحرير السودان، وحاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، عبر منصة إكس أن: “سقوط الفاشر لا يعني التفريط بمستقبل دارفور لصالح جماعات العنف أو مصالح الفساد والعمالة”.
د. تسنيم الأمين الناطقة باسم شبكة أطباء السودان، قالت في بيان لها على صفحة شبكة أطباء السودان بمنصة فيسبوك، إن المجازر التي يشهدها العالم اليوم هي امتداد لما حدث بالفاشر منذ أكثر من عام و نصف، حيث القتل بالقصف والتجويع والتصفية الجسدية لأكثر من ١٤ ألف مدني في ظل حصار مطبق وتجويع ممنهج واستهداف متعمد للمرافق المدنية، والأسواق، ومعسكرات النزوح. غير أن ميلشيات الدعم السريع خلال ثلاثة أيام فقط قتلت ما يقارب ٢٠٠٠ مدني بالفاشر. جميعهم تم تصفيتهم أثناء خروجهم من المدينة هربًا من الاشتباكات التي وصلت ذروتها.
إن ما يحدث بالفاشر يمثل إبادة حقيقية على أساس إثني في ظل تجاهل دولي وإقليمي، ودون ردة فعل بحجم المجازر التي تتم بحق المدنيين، والتي يتم بثها من قبل القتلة في تحدٍ واضح، وتعمد للقتل والتصفية بصورة ممنهجة للأبرياء والمدنيين.
حذرت المديرة التنفيذية لليونيسيف، كاثرين راسل، في أكتوبر الماضي، أن ما يقدر بنحو ١٣٠ ألف طفل في الفاشر معرضون لخطر انتهاكات حقوقية جسيمة في ظل تقارير عن الاختطاف، والقتل، والتشويه، والعنف الجنسي. شددت راسل على أنه “لا يوجد طفل في مأمن” في عاصمة شمال دارفور. أما منظمة الصحة العالمية فقد أعربت عن فزعها وصدمتها العميقين إزاء التقارير المتعلقة بحادثة القتل البشعة لأكثر من ٤٦٠ مريضًا ومرافقيهم في المستشفى السعودي للولادة بمدينة الفاشر، عقب حدوث هجمات على عاملين صحيين واختطافهم.
كذلك، أعلنت غرفة طوارئ مدينة طويلة بولاية شمال دارفور عن وصول عدد النازحين في المنطقة إلى مليون نازح من مناطق مختلفة من الإقليم منذ بداية الحرب، وأضافت أن هذه الأعداد تسببت في ضغط هائل على الموارد وخلقت وضعًا إنسانيًا صعبًا. كما وجهت نداءً إنسانيًا عاجلًا للمجتمع الدولي لتقديم المساعدات الإنسانية، وحثت المنظمات الوطنية والدولية على تقديم الدعم المباشر لتلبية الاحتياجات العاجلة للنازحين. بينما قالت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان أن ١٧٧ ألف مواطن لا يزالوا محاصرين في مدينة الفاشر من قبل قوات الدعم السريع فيما يعتقد أن تعرض غالبيتهم لعمليات قتل جماعي.
أضافت اللجنة أن ٢٨ ألف مواطن نزحوا خلال ٤٨ ساعة فقط وسط هجمات استهدفت طرق الهروب، فيما وصل ما يفوق الألف نازح إلى منطقة طويلة وهم يعانون من الإصابات والجوع والعطش.
يعد إقليم دارفور من المناطق الغنية بالموارد في السودان، إذ أنه يحتوي على ثروات معدنية عديدة مثل الذهب، والنحاس، والأحجار الكريمة، والحديد، واليورانيوم، والميكا، والجبس، والرخام. تضم أراضيه الخصبة، مياهً جوفية، وبحيرات طبيعية، بالإضافة إلى الثروة الحيوانية الكبيرة، كما يوجد ترسب للنفط بالمنطقة مما يجعله من الموارد المهمة بالولاية.
لتلك الأسباب، أصبح الإقليم مطمعًا لقوى متصارعة وميلشيات مسلحة، كما أصبح مطمعًا كذلك لجهات وحكومات خارجية تدعم الحركات المسلحة التي تؤيد مصالحها في الإقليم، بينما يعاني المدنيين من تطهير عرقي وإبادة جماعية ممنهجة، في ظل صمت دولي وتجاهل إعلامي.
**الآراء الواردة بالمقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن توجهات ريدوورد