الحدود اختراع بيروقراطي يتقنّع بجغرافيا. خط على خريطة يتحول عند نقطة العبور إلى سؤال أعمق من الهوية، سؤال عن المحتوى، بماذا يتكلم هذا الجسد العابر؟ وهذا بالضبط ما يفسر مصير حسام الحملاوي، الصحفي المصري الحامل للجنسية الألمانية، الذي وجد نفسه عالقاً خارج الحدود الكندية قبل أيام من محاضرتين كان مقرراً أن يلقيهما في جامعة سايمون فريزر لمناقشة كتابه الجديد عن آليات القمع في عهد السيسي.
طالبت وزارة الهجرة الكندية دكتور الحملاوي بتقديم وثائق أمنية لا يمكن استخراجها إلا من مصر، الدولة التي هرب من بطشها، تشمل صحيفة جنائية (فيش وتشبيه) وصور من محاضر المحاكم، قبل أن تتراجع لاحقًا عن قراراها وتمنحه تصريح الزيارة بعد حملات تضامنية واسعة من حقوقيين وأكاديميين.
وهذا أيضاً ما يفسر اضطرار الكوميديان باسم يوسف، أحد أكثر الأصوات الساخرة تأثيراً في العالمين العربي والغربي، إلى تأجيل جولته الأسترالية بعدما طُلب منه فجأة تقديم صحيفة حالة جنائية من مصر وتقرير خلفية أمنية من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي.
إبعاد الصوت المزعج عن حيز الكلام المتاح تقنية قديمة قِدَم السلطة ذاتها. الفيلسوف الذي أُدين بتهمة إفساد عقول الشباب في أثينا القديمة، والشاعر الذي نفاه إمبراطور روماني إلى أقصى الإمبراطورية لأن أبياته أزعجت البلاط، كلاهما وجه مبكر لعلاقة عريقة بين الكلام الخطر والمكان المسموح به لصاحبه، إذ، وبطبيعة الزمن، تعدّ أدوات العصر الحديث أكثر نعومة من فأس الجلاد أو مرسوم المنفى الرسمي، حيث استمارة تأشيرة إلكترونية، سؤال إداري عن سجل جنائي، طلب مفاجئ لتقرير أمني من جهة أجنبية. الوظيفة مع ذلك تبقى واحدة عبر العصور وهي تحديد نطاق الحركة الجسدية لمن يحمل كلاماً غير مرغوب فيه، وتحويل الجغرافيا إلى أداة تأديب ناعمة.
تبدو قصتا الحملاوي وباسم يوسف، للوهلة الأولى، حادثتين إداريتين تخصان بيروقراطية الهجرة في بلدين مختلفين، تفصل بينهما مسافة جغرافية شاسعة ومنطق قانوني مستقل. قراءتهما معاً تكشف مع ذلك بنية أعمق تجمعهما، إذ الرجلان حملا على مدى سنوات صوتاً نقدياً تجاه السلطة، وربطا في خطابهما الأخير مصيرهما الشخصي بمصير فلسطين.
كتابات الحملاوي تصوغ الثورة المصرية بوصفها امتداداً لمسار تحرري أوسع يمر، على حد تعبيره، عبر غزة والقدس. وسخرية باسم يوسف، التي صنعت شهرته أصلاً من مواجهة السلطة المصرية، وجدت نفسها في العامين الأخيرين هدفاً جديداً في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة، فأثارت حملة منظمة من جماعات يهودية أسترالية تصفه بمعاداة السامية وتطالب بإبعاده.
هنا يصبح مفهوم “أمننة الخطاب” عدسة تفسيرية مفيدة، إذ يصف تحويل الموقف السياسي إلى تهديد أمني افتراضي، فيغدو صاحب الرأي، في عين الآلة البيروقراطية، خطراً يستدعي التدقيق قبل أن يكون محاوراً يستحق الإصغاء. حين يُطلب من فنان كوميدي أن يقدّم صحيفة حالته الجنائية في بلد غادره قبل أكثر عقد كامل، يتحول الإجراء البيروقراطي ذاته إلى خطاب صامت يعلن أن السخرية من إسرائيل ضرب من الخطر يستوجب التدقيق.
وحين تُرفض تأشيرة صحفي أفصح بصدق عن اعتقالات تعرض لها على يد الأنظمة التي طاردته، تبلغ المفارقة حد العبث الكافكاوي، فيُعاقَب الرجل مرتين، مرة على يد جلاديه الأصليين، ومرة على يد بيروقراطية بلد ديمقراطي كان يُفترض أن يمنحه ملاذاً منهم، كما إن الإفصاح الصادق عن الاضطهاد يتحول، في هذه اللعبة العبثية، إلى دليل إدانة يبرر إقصاءً جديداً.
اتساق هذا السيناريو عبر جغرافيات متعددة يرفعه من مستوى الحادثة الفردية إلى مستوى النمط المتكرر. الإعلاميان الأمريكيان حسن بيكر وجينك أويغور شهدا سحب تأشيرتيهما البريطانية عشية مشاركتهما في فعاليات بجامعة أكسفورد. الجرّاح الفلسطيني غسان أبو ستة وعمّه الباحث سلمان أبو ستة واجها منعاً مماثلاً من دخول ألمانيا لإلقاء كلمة في مؤتمر خاص بفلسطين، ووصل الأمر بالسلطات هناك إلى قطع الكهرباء عن القاعة لإسكات مشاركة سلمان عن بُعد. الاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس عاش المصير ذاته. مغني فرقة “بوب فايلان” البريطانية طُرد من ألمانيا إثر هتاف مؤيد لفلسطين أطلقه في مهرجان موسيقي. وفي فرنسا، رُفض منح تأشيرة دخول للمدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني شوّان جبارين، في توقيت أعقب بأسابيع توقيف عضوة في البرلمان الأوروبي على خلفية نشاطها المؤيد لفلسطين. وحتى غريتا تونبرغ، الوجه الأشهر لحركة المناخ عالمياً، طالب سياسيون ألمان بمنعها من البلاد لمجرد مشاركتها في اعتصام مؤيد لغزة.
من هنا، تتكشف مفارقة أعمق حين توضع هذه القرارات جنباً إلى جنب مع الحفاوة الرسمية التي حظي بها مسؤولون إسرائيليون زاروا العاصمة البريطانية ذاتها التي طُرد منها معلقون سياسيون بسبب انتقادهم سياسة حكومة الاحتلال؛ رئيس دولة ووزير خارجية استُقبلا بلا أي عائق أمني رغم تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها كلاهما حول الحرب في غزة. هذه الازدواجية تكشف أن المعيار الحاكم للقرار هو اتجاه الخطاب السياسي في جوهره، إذ الدفاع عن سياسات بعينها يُقابَل بالترحاب المؤسسي، وانتقادها يُقابَل بالإقصاء الإداري. هذا التكرار المتماثل، عبر دول تفصلها محيطات وأنظمة قانونية متباينة، يرقى إلى قاعدة غير معلنة تحكم عبور الحدود.
قوبل منع باسم يوسف برد فعل شعبي فوري؛ إذ أطلق مؤيدوه في أستراليا عريضة إلكترونية طالبت السلطات بالسماح له بالدخول، معتبرين أن استهدافه محاولة لخنق صوت كوميدي وحّد جمهوره طويلاً حول قيمة الضحك المشترك عبر خلفيات متعددة. هذا الرد الشعبي يذكّر بأن سياسة الإقصاء الحدودي، مهما بدت راسخة في أروقة الإدارات الحكومية، تصطدم بمجتمع مدني قادر على المساءلة والمقاومة الرمزية، ما يمنح النقاش برمته بعداً ديمقراطياً حياً يتجاوز صورة السلطة الصامتة في مواجهة الضحية المعزولة.
كما تستحق الرواية الرسمية مكاناً في هذا التحليل، حيث تصرّ السلطات الكندية والأسترالية على خضوع قرارات التأشيرات لمعايير أمنية موحدة، وتحجم عادة عن التعليق على الحالات الفردية حفاظاً على سرية الإجراءات. ويقدّم المجلس التنفيذي لليهود الأستراليين حملته ضد باسم يوسف بوصفها دفاعاً عن جالية تشعر بالتهديد من خطاب يصفه بالكراهية. هذه المواقف تستحق إصغاءً جاداً، فهي تنتمي إلى جدل أوسع حول الخط الفاصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، خط يزداد ضبابية كلما اقترب من قضية بحجم فلسطين وحساسيتها التاريخية العميقة.
ما تكشفه هذه الحوادث مجتمعة يتجاوز تفاصيل كل حالة على حدة، ويطرح سؤالاً فلسفياً أكثر إلحاحاً، فحين تتحول جوازات السفر والتأشيرات إلى أدوات لفرز الأصوات بحسب موقفها من قضية سياسية بعينها، تكف الحدود عن كونها خطوطاً جغرافية وتغدو مرآة لما تسمح به المجتمعات المضيفة لنفسها من نقاش، ولما تخشاه من كلام. والخريطة التي افتتحنا بها هذا التأمل تكشف، عند إعادة النظر إليها، أنها لم تعد رسماً للأرض بقدر ما باتت رسماً لحدود الجرأة المسموح بها، فمن يملك رخصة عبور الخط الفاصل بين الرأي والخطر، ومن يُترك عالقاً عند الحاجز يشرح لموظف حدودي لماذا يستحق أن يُسمع صوته. وربما يكمن الدرس الأعمق هنا، حيث تُقاس حرية التعبير الحقيقية بمن يُسمح له أصلاً بالوصول إلى الحدود ليتكلم، قبل أن تُقاس بما يُقال بعد العبور.